العقار في تركيا والخليج 2026: كيف يقرأ المستثمر السوق؟

تمر الأسواق العقارية في المنطقة بمرحلة مختلفة عن الطفرة الاستثنائية التي شهدتها خلال السنوات الماضية. فبعد فترات من الارتفاع السريع في الأسعار والمبيعات، بدأت بعض الأسواق تدخل مرحلة إعادة توازن وتصحيح، أصبحت فيها السيولة، وقوة المطور، وجودة المشروع، وتوقيت الشراء عوامل أكثر أهمية من مجرد الدخول إلى السوق.

هذا التحول لا يعني بالضرورة وجود أزمة عقارية شاملة، بل يكشف عن سوق أكثر انتقائية؛ تتفاوت فيه النتائج بصورة واضحة بين المطورين، وبين العقار الجديد وإعادة البيع، وبين المشروعات ذات الأسس المالية القوية وتلك الأكثر اعتماداً على ظروف السوق قصيرة الأجل.

الخليج ودبي: السيولة أولاً في مرحلة إعادة التوازن

في تصريحات حديثة لـ CNBC عربية، تحدث رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، مؤسس إعمار العقارية ومؤسس ورئيس مجلس إدارة  Eagle Hills، عن تغير ملحوظ في ظروف السوق.

وأشار العبار إلى أن مبيعات العقارات لدى بعض المطورين تأثرت بنسبة قد تصل إلى 50%، في وقت ما زالت فيه معدلات التحصيل وإلغاء الوحدات لدى شركاته عند مستويات قريبة من الفترة السابقة للتطورات الجيوسياسية الأخيرة. 

والأهم من نسبة الانخفاض نفسها هو الطريقة التي تتعامل بها الشركات الكبرى مع هذه المرحلة.

  1.  الاحتفاظ بالسيولة وتقليل الاعتماد على الديون

أوضح العبار أن الشركات التابعة له تحافظ على مستويات مرتفعة من السيولة النقدية، مقابل مستويات محدودة من القروض، بما يمنحها قدرة أكبر على التعامل مع التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية. كما أشار إلى أن إعمار لديها إيرادات متراكمة من المشروعات تبلغ نحو 164  مليار درهم

وهنا يظهر أحد أهم الدروس بالنسبة للمستثمر العقاري: قوة المشروع لا تنفصل عن القوة المالية للمطور الذي يقف خلفه.

ففي أوقات النمو السريع، قد لا تبدو الفوارق واضحة، لكن عند تباطؤ السوق تبدأ الملاءة المالية، والقدرة على التنفيذ، وحجم الالتزامات والديون في لعب دور أكبر.

  1.  التسليم والتنفيذ يصبحان عنصرَي ثقة

تحدث العبار كذلك عن إمكانية تسليم بعض المشروعات قبل المواعيد المقررة، بالتزامن مع استئناف طرح مناقصات كانت قد تأثرت بالظروف الجيوسياسية واضطرابات المقاولين والموانئ. 

وبالنسبة للمشتري، تصبح هذه النقطة شديدة الأهمية في السوق الحالية. فالمستثمر لم يعد ينظر فقط إلى السعر المتوقع بعد سنوات، بل إلى قدرة المطور الفعلية على الإنجاز والتسليم والمحافظة على تدفق المشروع.

  1.  التوسع عندما تظهر الفرصة

وفي مقابل الحذر المالي، لا يعني تباطؤ بعض الأسواق توقف الاستثمار.

فقد أعلن العبار أن Eagle Hills تعتزم توقيع اتفاقيات لمشروعين في دمشق بقيمة إجمالية تقارب 15  مليار دولار خلال الأسبوع الأول من أكتوبر 2026، في خطوة تعكس استعداد رؤوس الأموال الكبرى للدخول إلى أسواق جديدة عندما ترى فيها فرصاً طويلة الأجل، رغم ارتفاع مستوى المخاطرة. 

وهذه المعادلة  سيولة قوية مع توسع انتقائي  قد تكون واحدة من أبرز سمات المرحلة المقبلة.

تركيا: تراجع إجمالي.. لكن الصورة تختلف بين الجديد والمستعمل

في تركيا، تقدم الأرقام الرسمية صورة تستحق قراءة أكثر تفصيلاً من النظر إلى إجمالي المبيعات وحده.

بحسب بيانات هيئة الإحصاء التركية TÜİK، بلغ عدد المساكن المباعة في تركيا خلال أغسطس 2026 نحو 127,410  وحدات سكنية، بانخفاض قدره 14.7%  مقارنة بأغسطس 2025، الذي سجل 149,440 وحدة. 

لكن عند تقسيم هذه المبيعات بين العقارات المباعة لأول مرة والعقارات المستعملة، تظهر فجوة واضحة.

العقار الجديد يتراجع بنسبة محدودة

بلغ عدد مبيعات الوحدات السكنية لأول مرة 44,378  وحدة في أغسطس 2026، مقابل 46,459 وحدة في الشهر نفسه من العام الماضي، أي بانخفاض 4.5% فقط. وشكلت المبيعات الأولى نحو 34.8%  من إجمالي السوق

ولا يعني ذلك أن جميع المشروعات الجديدة تحقق النتائج نفسها، لكنه يشير إلى تماسك نسبي لمبيعات العقار الجديد مقارنة بالسوق ككل.

وهنا يجب التمييز أيضاً بين مصطلح المبيعات الأولى والمشروعات المكتملة؛ إذ تصنف TÜİK البيع الأول للعقار بوصفه انتقال الملكية لأول مرة، ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع الوحدات المباعة تنتمي إلى مجمعات مكتملة وجاهزة للسكن.

إعادة البيع تتحمل الجزء الأكبر من التراجع

على الجانب الآخر، سجلت مبيعات العقارات المستعملة 83,032  وحدة خلال أغسطس، مقابل 102,981 وحدة خلال أغسطس 2025.

وهذا يمثل انخفاضاً سنوياً قدره 19.4%، أي أكثر من أربعة أضعاف نسبة الانخفاض المسجلة في المبيعات الأولى. 

وتوضح هذه الأرقام أن التراجع لم يكن موزعاً بالتساوي على جميع شرائح السوق.

فبينما انخفض إجمالي السوق بنسبة 14.7 %، كان الانخفاض في البيع الأول محدوداً نسبياً عند 4.5 %، في حين ظهر الضغط الأكبر في سوق العقارات المستعملة.

ماذا تعني هذه الأرقام للمستثمر العقاري؟

المرحلة الحالية تعيد تعريف مفهوم الاستثمار الآمن.

ففي فترات الطفرة، قد ترتفع معظم الأصول بالتزامن، وتصبح الفوارق بين العقارات أقل وضوحاً. أما في مراحل إعادة التوازن، فإن السوق يبدأ في التمييز بدرجة أكبر بين مشروع وآخر.

وهنا تصبح مجموعة من المعايير أكثر أهمية:

  • القوة المالية للمطور وقدرته على إكمال المشروع. 
  • وضوح سند الملكية والوضع القانوني للعقار. 
  • مرحلة التنفيذ ونسبة الإنجاز. 
  • جودة الموقع والخدمات والبنية التحتية المحيطة. 
  • وجود طلب حقيقي على المنطقة، سواء للسكن أو التأجير. 
  • السعر الفعلي مقارنة بالعقارات المشابهة، وليس مقارنة بتوقعات مستقبلية فقط. 
  • إمكانية إعادة البيع والسيولة عند الخروج من الاستثمار. 

فانخفاض حركة السوق لا يعني بالضرورة انخفاض قيمة كل أصل، كما أن ارتفاع السوق لا يعني أن كل مشروع يمثل استثماراً جيداً.

السوق لم يتوقف.. لكنه أصبح أكثر انتقائية

المشهد من الخليج إلى تركيا يحمل رسالة مشتركة: رأس المال أصبح أكثر حرصاً على الجودة والسيولة والتنفيذ.

في الخليج، تركز شركات كبرى على الميزانيات القوية وتقليل الاعتماد على الديون والاستمرار في تنفيذ المشروعات رغم تغير ظروف المبيعات. وفي تركيا، تكشف بيانات أغسطس 2026 عن فارق كبير بين تراجع المبيعات الأولى بنسبة 4.5% وبين انخفاض سوق إعادة البيع بنسبة 19.4%. 

وبالنسبة للمستثمر، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو:

“هل أشتري عقاراً أم أنتظر؟”

بل:

“أي عقار أشتري؟ ومن هو المطور؟ وما قوة المشروع؟ وهل السعر الحالي مدعوم بطلب حقيقي وقيمة فعلية؟”

في الأسواق الانتقائية، لا تختفي الفرص، وإنما يصبح اختيار الفرصة الصحيحة أكثر أهمية من توقيت الدخول وحده.

بقلم : عبدالعزيز الكاشف

اشترك في النقاش